فصل: قال في ملاك التأويل:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



ثم أمر نبيه صلى الله عليه وسلم أن ينفي عن نفسه أمورًا ثلاثة فقال: {قل لا أقول لكم عندي خزائن الله} وهي جمع خزانة للمكان الذي يخزن فيه الشيء، وخزن الشيء إحرازه بحيث لا تناله الأيدي {ولا أعلم الغيب} قال في الكشاف: محله النصل عطفًا على محل قوله: {عندي خزائن الله} لأنه من جملة المقول أي لا أقول لكم ذاك ولا هذا. قلت: ويحتمل أن يكون عطفًا على {لا أقول} أي قل لا أعلم الغيب فيكون فيه دلالة على أن الغيب بالاستقلال لا يعلمه إلا الله بخلاف كون خزائن الله عنده وكونه ملكًا فإن النبي صلى الله عليه وسلم يحتمل أن يكون له هذه المقامات ولكن لا يظهرها.
واختلف المفسرون في فائدة نفي هذ الأمور فقيل: المراد إظهار التواضع والخضوع لله تعالى والاعتراف بعبوديته حتى لا يعتقد فيه مثل اعتقاد النصارى في المسيح عليه السلام. وقيل: المقصود إبداء العجز والضعف وأنه لا يستقل بإيجاد المعجزات التي كانوا يقترحونها كقولهم: {لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعًا} إلى قوله: {هل كنت إلا بشرًا رسولًا} [الإسراء: 93] وقيل: أي لا أدّعي سوى النبوّة والرسالة ولا أدّعي الإلهية ولا الملكية وإنما زيد هاهنا {لكم} بخلاف سورة هود حيث قال: {ولا أقول إني ملك} [الآية: 31] لأنه تقدم ذكر لكم في قوله: {إني لكم نذير} [هود: 25] فاكتفى بذلك. قال الجبائي: في الآية دلالة على أن الملك أفضل إذ المراد لا أدّعي فوق منزلتي. قال القاضي: إن كان الغرض التواضع فالأقرب أن ذلك يدل على أن الملك أفضل، وإن كان المراد نفي قدرته عن أفعال لا يقوى عليها إلا الملائكة لم يدل على أفضلية الملائكة. {إن أتبع إلا ما يوحى إلي} قيل: هذا النص يدل على أنه صلى الله عليه وسلم لم يحكم من تلقاء نفسه بالاجتهاد في شيء من الأحكام، ولا يجوز لأحد من أمته أن يعمل إلا بالوحي النازل عليه لقوله تعالى: {فاتبعوه} [الأنعام: 153] فلا يجوز العمل بالقياس، وأكد هذا الحكم بقوله: {قل هل يستوي الأعمى والبصير} وذلك أن العمل بغير الوحي يجري مجرى عمل الأعمى، والعمل بمقتضى الوحي يقوم عمل البصير. ثم قال: {أفلا تتفكرون} تنبيهًا على أنه يجب على العاقل أن يعرف الفرق بين هذين. وأجيب بأن أصل الاجتهاد والقياس إذا كان بالوحي لم يلزم الضلالة، والآية مثل للضال والمهتدي أو لمن ادعى المستقيم وهو النبوة والمحال وهو الإلهية والملكية {أفلا تتفكرون} فلا تكونوا ضالين كالعميان، أو فتعلموا أني ما ادعيت سوى ما يليق بالبشر والله تعالى أعلم وأحكم. اهـ.

.من لطائف وفوائد المفسرين:

.قال في ملاك التأويل:

قوله تعالى: {قل لا أقول لكم عندى خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول لكم إنى ملك} بتكرير ضمير الخطاب المجرور من قوله: {لكم} وفى سورة هود: {ولا أقول لكم عندى خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول إنى ملك} بغير تكرير الخطاب فللسائل أن يسأل عن ذلك؟
والجواب والله سبحانه أعلم أن الوارد في سورة هود إنما هو حكاية قوله نوح عليه السلام متلطفا ومشفقا من حال قومه ألا ترى استفتاح خطابه لهم بقوله: {أرأيتم إن كنت على بينة من ربى وآتانى رحمة من عنده...} الآية وقوله: {ويا قوم لا أسألكم عليه مالا...} الآية وقوله: {يا قوم من ينصرنى من الله} إلى قوله: {إنى إذا لمن الظالمين} فتأمل جليل ملاطفته عليه السلام وما يفهم من كلامهم من عظيم الإشفاق من حالهم وإرادته ما به نجاتهم من العذاب ومن أخذهم بمرتكباتهم فهذا كله استلطاف في الدعاء لا يلائمه تكرار كلمة تفهم تعنيفا أو توبيخا والتأكيد والتكرار يفهم ذلك ويردان حيث يقصد.
وأما قوله تعالى في آية الأنعام: {ولا أقول لكم إنى ملك} فوارد طى كلام أمره صلى الله عليه وسلم بتبليغه عتاة قريش والعرب توبيخا لهم وتقريعا فقيل له: {قل} والمراد: قل لهم يا محمد: {قل لا أقول لكم عندى خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول لكم إنى ملك...} الآية ولم يؤمر أن يقول هذا لأبى بكر وعمر وخاصة أصحابه إنما عنى به من يقول: {مال هذا الرسول يأكل الطعام ويمشى في الأسواق لولا أنزل إليه ملك فيكون معه نذيرا أو يلقى إليه كنز أو تكون له جنة يأكل منها} فمن يصدر عنه هذا وأشباههه مما ينبئ عن الازراء وفساد الظاهر والباطن فهم المقول لهم: {لا أقول لكم عندى خزائن الله...} الآية فتكرر فيها قوله: {لكم} تأكيدا يفهم التعنيف ويناسب التوبيخ والتقريع ونظير هذا وان خالفه في تخصيص المخاطب بمقصود الكلام وإنما قصد به تعنيف مستحقى التعنيف ممن لم يخاطب فهو من قبيل قولهم: إياك أعنى واسمعى يا جارة...، وقوله تعالى في خطاب عيسى عليه السلام: {وإذ تخلق من الطين كهيئة الطير بإذنى فتنفخ فيها فتكون طيرا بإذنى وتبرئ الأكمه والأبرص بإذنى وإذ تخرج الموتى بإذنى} فتأمل تكرار قوله: {بإذنى} وما يتضمن من توبيخ من جعل عيسى عليه السلام إلها واتخذه معبودا فخزطب عيسى عليه السلام وهو المحفوظ المعصوم من توهم استبداد دل قدره صلى الله عليه وسلم عن ذلك ولكن هذا كما قيل له صلى الله عليه وسلم: {أأنت قلت للناس اتخذونى وأمى إلهين من دون الله} والمراد بذلك تقريع من اتخذه عليه السلام إلها ومرادنا من هذا ما اجتمعت عليه هذه الآى من إشعار التقريع والتوبيخ الحاصلين من التأكيد والتكرار ثم يصرف ذلك في كل من الآيتين لمن تأهل له ولما لم يكن ذلك مفصودا في آية هود لم يرد فيها تأكيد ولا تكرار وجاء كل من ذلك على ما يناسب والله أعلم. اهـ.

.من لطائف القشيري في الآية:

قال عليه الرحمة:
{قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ (50)} يعني قل لهم إني لا أتخطى خطي، ولا أتعدَّى حدِّي، ولا أُثْبِتُ من ذات نفسي شيئًا، وإنما يقال لي أَبلَّغْتَ؟ وأقول: أَجَلَ، أَوْصَلْتُ.
ثم قال: {قُلْ هَلْ يَسْتَوِى الأَعْمَى وَالبَصِيرُ}: هل يتشاكل الضوءُ والظلام؟ وهل يتماثل الجُحْدُ والتوحيد؟ كلا... لا يكون ذلك. اهـ.

.من فوائد البيضاوي في الآية:

قال رحمه الله:
{قُل لاَّ أَقُولُ لَكُمْ عِندِى خَزَائِنُ الله}.
مقدوراته أو خزائن رزقه. {وَلا أَعْلَمُ الغيب} ما لم يوح إلي ولم ينصب عليه دليل وهو من جملة المقول. {وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنّى مَلَكٌ} أي من جنس الملائكة، أو أقدر على ما يقدرون عليه. {إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يوحى إِلَيَّ} تبرأ عن دعوى الألوهية والملكية، وادعى النبوة التي هي من كمالات البشر ردًا لاستبعادهم دعواه وجزمهم على فساد مدعاه. {قُلْ هَلْ يَسْتَوِى الأعمى والبصير} مثل للضال والمهتدي، أو الجاهل والعالم، أو مدعي المستحيل كالألوهية والملكية ومدعي المستقيم كالنبوة. {أَفَلاَ تَتَفَكَّرُونَ} فتهتدوا أو فتميزوا بين ادعاء الحق والباطل، أو فتعلموا أن اتباع الوحي مما لا محيص عنه. اهـ.

.من فوائد أبي حيان في الآية:

قال رحمه الله:
{قل لا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول لكم إني ملك إن أتبع إلا ما يوحى إليّ}.
قال الزمخشري: أي لا أدعي ما يستبعد في العقول أن يكون لبشر من ملك خزائن الله وهي قسمة بين الخلق وأرزاقه وعلم الغيب، وإني من الملائكة الذين هم أشرف جنس خلقه الله وأفضله وأقربه منزلة منه، أي لم أدع الألوهية ولا الملكية لأنه ليس بعد الإلهية منزلة أرفع من منزلة الملائكة حتى تستبعدون دعواي وتستنكرونها، وإنما ادّعي ما كان مثله لكثير من البشر وهو النبوة، انتهى.
وما قاله: من أن المعنى إني أقول لكم إني لست بإله فأنصف بصفاته من كينونة خزائنه عندي وعلم الغيب، وهو قول الطبري، والأظهر أنه يريد أنه بشر لا شيء عنده من خزائن الله ولا من قدرته ولا يعلم شيئًا مما غاب عنه قاله ابن عطية.
وأما قول الزمخشري في الملائكة هم أشرف جنس خلقه الله وأفضله وأقربه منزلة فهو جار على مذهب المعتزلة من أن الملك أفضل خلق الله، وقد استدل الجبائي بهذه الآية على أن الملائكة أفضل من الأنبياء قال: لأن معنى الآية لا أدّعي منزله فوق منزلتي فلولا أن الملك أفضل لم يصح ذلك.
قال القاضي: إن كان الغرض مما نفى طريقة التواضع فالأقرب أن يدل على أن الملك أفضل وإن كان نفى قدرته عن أفعال لا يقوى عليها إلا الملائكة لم يدل على كونهم أفضل؛ انتهى.
وقد تكلمنا على ذلك عند قوله: {ولا الملائكة المقربون} وقال ابن عطية: وتعطى قوة اللفظ في هذه الآية أن الملك أفضل من البشر وليس ذلك بلازم من هذا الموضع، وإنما الذي يلزم منه أن الملك أعظم موقعًا في أنفسهم وأقرب إلى الله والتفضيل يعطيه المعنى عطاءً خفيًا وهو ظاهر من آيات أخر وهي مسألة خلاف، و{ما يوحى} يريد به القرآن وسائر ما يأتي به الملك أي في ذلك عبر وآيات لمن تأمل ونظر؛ انتهى.
وقال الكلبي: {خزائن الله} مقدوراته من إغناء الفقير وإفقار الغني.
وقال مقاتل: الرحمة والعذاب.
وقيل: آياته.
وقيل: مجموع هذا لقوله: {وإن من شيء إلا عندنا خزائنه} قيل: وهذه الثلاث جواب لما سأله المشركون، فالأول جواب لقولهم: إن كنت رسولًا فاسأل الله حتى يوسع علينا خزائن الدنيا، والثاني: جواب لقولهم إن كنت رسولًا فأخبرنا بما يقع في المستقبل من المصالح والمضار فنستعد لتحصيل تلك ودفع هذه، والثالث: جواب قولهم: ما لهذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق؟ انتهى.
وقال الزمخشري فإن قلت: أعلم الغيب ما محله من الإعراب؟ قلت: النصب عطفًا على محل قوله: {خزائن الله} لأنه من جملة المقول كأنه قال: لا أقول لكم هذا القول ولا هذا القول؛ انتهى.
ولا يتعين ما قاله، بل الظاهر أنه معطوف على لا أقول لا معمول له فهو أمر أن يخبر عن نفسه بهذه الجمل الثلاث فهي معمولة للأمر الذي هو قل وغاير في متعلق النفي فنفى قوله: {عندي خزائن الله} وقوله: {إني ملك} ونفى علم الغيب ولم يأت التركيب.
ولا أقول: إني أعلم الغيب لأن كونه ليس عنده {خزائن الله} من أرزاق العباد وقسمهم معلوم ذلك للناس كلهم فنفى ادعاءه ذلك وكونه بصورة البشر معلوم أيضًا لمعرفتهم بولادته ونشأته بين أظهرهم، فنفى أيضًا ادعاءه ذلك ولم ينفهما من أصلهما لأن انتفاء ذلك من أصله معلوم عندهم، فنفى أن يكابرهم في ادعاء شيء يعلمون خلافه قطعًا.
ولما كان علم الغيب أمرًا يمكن أن يظهر على لسان البشر بل قد يدعيه كثير من الناس كالكهان وضراب الرمل والمنجمين، وكان صلى الله عليه وسلم قد أخبر بأشياء من المغيبات وطابقت ما أخبر به نفي علم الغيب من أصله فقال: {ولا أعلم الغيب} تنصيصًا على محض العبودية والافتقار وإن ما صدر عنه من إخبار بغيب إنما هو من الوحي الوارد عليه لا من ذات نفسه، فقال: {أن أتبع إلا ما يوحى إليّ} كما قال فيما حكى الله عنه {ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما مسني السوء} وكما أثر عنه عليه السلام: «لا أعلم ما وراء هذا الجدار إلا أن يعلمني ربي» وجاء هذا النفي على سبيل الترقي فنفى أولًا ما يتعلق به رغبات الناس أجمعين من الأرزاق التي هي قوام الحياة الجسمانية، ثم نفى ثانيًا ما يتعلق به وتتشوف إليه النفوس الفاضلة من معرفة ما يجهلون وتعرّف ما يقع من الكوائن ثم نفى ثالثًا ما هو مختص بذاته من صفة الملائكة التي هي مباينة لصفة البشرية فترقى في النفي من عام إلى خاص إلى أخص، ثم حصر ما هو عليه في أحواله كلها بقوله: {إن أتبع إلا ما يوحى إليّ} أي أنا متبع ما أوحى الله غير شارع شيئًا من جهتي، وظاهره حجة لنفاة القياس.
{قل هل يستوي الأعمى والبصير} أي لا يستوي الناظر المفكر في الآيات والمعرض الكافر الذي يهمل النظر.
قال ابن عباس: الكافر والمؤمن.
وقال ابن جبير: الضال والمهتدي.
وقيل: الجاهل والعالم.
وقال الزمخشري: مثل للضلاّل والمهتدين ويجوز أن يكون مثلًا لمن اتبع ما يوحى إليه ومن لم يتبع أو لمن ادعى المستقيم، وهو النبوة والمحال وهو الألوهية والملكية.
{أفلا تتفكرون} هذا عرض وتحضيض معناه الأمر أي ففكروا ولا تكونوا ضالين أشباه العميّ أو فكروا فتعلمون، أي لا أتبع إلا ما يوحى إليّ أو فتعلمون إني لا أدّعي ما لا يليق بالبشر. اهـ.

.من فوائد أبي السعود في الآية:

قال عليه الرحمة:
{قُل لاَّ أَقُولُ لَكُمْ عِندِى خَزَائِنُ الله} استئناف مبنيٌّ على ما أسِّسَ من السنة الإلهية في شأنِ إرسالِ الرسل وإنزالِ الكتُب، مَسوقٌ لإظهار تبرِئتِه صلى الله عليه وسلم عما يدورُ عليه مقترحاتُهم، أي قل للكفرة الذين يقترحون عليك تارةً تنزيلَ الآياتِ وأخرى غيرَ ذلك لا أدَّعي أن خزائنَ مقدوراتِه تعالى مُفوَّضةٌ إلي أتصرَّفُ فيها كيفما أشاء استقلالًا أو استدعاءً، حتى تقترحوا عليّ تنزيلَ الآياتِ أو إنزالَ العذاب، أو قلبَ الجبال ذهبًا، أو غيرَ ذلك مما لا يليق بشأني، وجعلُ هذا تبرُّؤًا عن دعوى الإلهية مما لا وجهَ له قطعًا، وقوله تعالى: {وَلا أَعْلَمُ الغيب} عطفٌ على محلَّ (عندي خزائنُ الله)، أي لا أدّعي أيضًا أني أعلم الغيبَ من أفعاله تعالى حتى تسألوني عن وقت الساعة أو وقت نزول العذاب أو نحوهما {وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنّى مَلَكٌ} حتى تكلفوني من الأفاعيل الخارقةِ للعادات ما لا يُطيق البشرُ من الرُقيِّ في السماء ونحوه، أو تعدوا عدمَ اتّصافي بصفاتهم قادحًا في أمري كما ينبئ عنه قولهم: {مالِ هذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطعام وَيَمْشِى في الاسواق} والمعنى إني لا أدَّعي شيئًا من هذه الأشياء الثلاثةِ حتى تقترحوا عليَّ ما هو من آثارها وأحكامها، وتجعلوا عدمَ إجابتي إلى ذلك دليلًا على عدم صحةِ ما أدَّعيه من الرسالة التي لا تعلُّقَ لها بشيء مما ذُكر قطعًا بل إنما هي عبارةٌ عن تلقِّي الوحْي من جهةِ الله عز وجل، والعملِ بمقتضاه فحسْب، حسْبما ينبئ عنه قوله تعالى: {إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يوحى إِلَىَّ} لا على معنى تخصيص اتباعه صلى الله عليه وسلم بما يوحى إليه دون غيره بتوجيه القَصْر إلى المفعول بالقياس إلى مفعولٍ آخرَ كما هو الاستعمال الشائعُ الواردُ على توجيه القصْر إلى ما يتعلّق بالفعل باعتبار النفي في الأصل، والإثبات في القيد، بل على معنى تخصيص حالِه صلى الله عليه وسلم باتباع ما يوحى إليه بتوجيه القصرِ إلى نفس الفعل بالقياس إلى ما يغرّه من الأفعال، لكن لا باعتبار النفي والإثباتِ معًا في خصوصية، فإن ذلك غيرُ ممكن قطعًا، بل باعتبار النفي فيما يتضمّنه من مُطلق الفعل، والإثباتِ فيما يقارنه من المعنى المخصوص، فإنّ كلَّ فعلٍ من الأفعال الخاصَّةِ كنصر مثلًا ينحلّ عند التحقيق إلى معنىً مطلقٍ هو مدلولُ لفظِ الفعل وإلى معنىً خاصَ يقوم به فإن معناه فعَلَ النصْرَ، يُرشدك إلى ذلك قولُهم: فلانٌ يُعطي ويمنع بمعنى يفعل الإعطاء والمنع، فموردُ القصر في الحقيقة ما يتعلقُ بالفعل بتوجيه النفي إلى الأصل والإثباتِ إلى القيد، كأنه قيل: ما أفعلُ إلا اتباعَ ما يوحى إليّ مِنْ غير أن يكون لي مدخَلٌ ما في الوحي أو في الموحى بطريق الاستدعاء، أو بوجهٍ آخرَ من الوجوه أصلًا.
{قُلْ هَلْ يَسْتَوِى الأعمى والبصير} مثل للضال والمهتدي على الإطلاق، والاستفهام إنكاري والمراد إنكارُ استواءِ مَنْ لا يعلم ما ذُكر من الحقائق ومن يعلمُها وفيه من الإشعار بكمالِ ظهورِها ومن التنفير عن الضلالِ والترغيب في الاهتداء ما لا يخفى، وتكريرُ الأمر لتثنية التبكيتِ وتأكيدِ الإلزام، وقوله تعالى: {أَفَلاَ تَتَفَكَّرُونَ} تقريعٌ وتوبيخٌ داخلٌ تحت الأمر، والفاء للعطف على مقدَّر يقتضيه المقام، أي ألا تسمعون هذا الكلامَ الحقَّ فلا تتفكرون فيه، أو أتسمعون فلا تتفكرون فيه، فمناطُ التوبيخِ في الأول عدمُ الأمرَيْنِ معًا، وفي الثاني عدم التفكر مع تحقق ما يُوجبه. اهـ.